عزيزي القارئ :
أواصل ما انقطع من حديث في الحلقة الأولى ، عن الشاعر العالم الطيب السرّاج ، فأقول :إذا كان شاعرنا قد اعتمد في تحصيل العلم على نفسه ، دون الاستعانة بأستاذ – كما ذكر صاحب كتاب (شعراء السودان) ، وكما جاء في قوله :
ويلمهم أين هم مما حبيت به
من البيان الذي يعنو له الخطفي
من العلوم التي ما لامرئ منن
بــها علي ، ولكن خلفة السلف
لكننا نراه بعد أكثر من عشرين عاماً ، يذكر فضل شيوخه عليه ، ويستنكر أن يستغني الإنسان عن مرشد يرشده ، وموجه يبين له معالم الطريق ، مهما بلغ من الذكاء والنبوغ . ولست أدري هنا ، أيعني علماء بعينهم قد تتلمذ عليهم ، أم أنه يشير إلى الكتب التي يأخذ منها المعرفة ، وهي من وضع علماء وأدباء وكتاب . لا شك يعتبرون شيوخاً له ، بطريق غير مباشر ، بل ولعله يذكر مصر في هذا الصدد ، لأن الكتب في ذلك الوقت تأتي كلها من مصر ، وكثير منها من وضع مؤلفين مصريين .. وأنا أرجح القول الأخير .
إن كثيراً من النابغين – وخاصة في هذا العصر – يأنفون من ذكر من تلقوا عليهم ضروب المعرفة ، ويظنون في ذلك تقليلاً من شأنهم ، وحطاً من كبريائهم ، ولكن شاعرنا النابغة المتيقن من رسوخه في العلم ، الواثق من نفوذ سهمه في الأدب ، يذكر بالفخر والاعتزاز ، فضل شيوخه عليه ، فيقول في معرض قصيدة له يمدح فيها مصر 1947م :
إن الورى ليرى عليه فريضة
حب الكنانة ما عدا الأنذالا
ولئن يك السودان مسقط هامتي
ونشأت فيه وقد بلغت رجـالا
لكن روحي نشأتها مصر لا الـ
سودان ، هذا نشــأ الأوصالا
فمشيختي منها وشيخة شيختي
لبعدتهم لو كــان ذاك حلالا
من كان يعظم ربه لا شك يعـ
ظم شيــخه إعظام من يتغالى
قل للذي قد راح يزعم مفخراً
من غير شيخ قد زعمت محالا
يا أيهذا المدعي علماً بلا شيخ
لبست على الضلال ضــلالا
عزيزي القارئ :
إن السرّاج يتعصب للعرب تعصباً ملك عليه نفسه ومشاعره – ويتعصب في العرب لقريش ويتعصب في قريش لبني هاشم، ويتعصب في بني هاشم لآل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى الأخص لعليّ بن أبي طالب ، وولده من السيدة فاطمة الزهراء .
وإعجابه بمحمد ، وعظمة محمد ، لا تحدّه حدود – فهو يقول عنه : (لو لم يكن محمد نبياً لاتبعته أيضاً) ، أو : (لو لم يكن محمد نبياً ، لكان أحق أن يتبع) وهو إلى ذلك ، يعجب بعليّ وشجاعة عليّ ، وفصاحة عليّ ، فلا يكاد يلحق صحابيّاً بمكانته في الإسلام .
وحب الطيب السرّاج للعرب والعروبة ، لم يأت عفو الخاطر ، فهو يقول ما معناه : (لولا عظمة العرب لما كان خاتم المرسلين عربياً . ولولا عظمة العربية ، لما جاء القرآن الكريم باللغة العربية ، ولولا عظمة اللسان العربيّ ، لما كان لسان أهل الجنة عربياً) .
وما دام الأمر كذلك ، أو ليس من الواجب العمل على بعث اللغة العربية من رقادها ، ونفخ روح التجديد فيها ، لتسهم بتراثها الخالد في إنماء روح الحضارة البشرية من جديد ، وإثراء الفكر الإنساني بما حوته وتحويه من مناحي المعرفة ؟ إذن ، فلنستمع إليه يقول في قصيدته (التجديد) :
قالوا استعيدوا مجدكم تجديدا
لاقى المراد من النصيح مريدا
قرع الظنابيب اليعاسيب الألي
يحيــون فينا كل يـوم عيدا
شد الحيازيم الكرام ليبعثوا
بعد البــلى لغة الجدود جديدا
ويمضي الشاعر ، فيضفي على أسلافه الأماجد ماشاء من الأوصاف . ويمضي الشاعر ، فيصف التحام الفرسان في حومات الوغى ، وقرع الحديد على الحديد ، فيقول :
والبيض تقطر والفوارس تدّعي
والخيــل تعثر بالوشيج قصيدا
فكأنها تهمي السماء وبرقها
يسري وقد ملئ الفضاء رعودا
تجذو بهم قود على أطرافها
مرحاً ، وتثني للعرضني الجيدا
فكأنهن جوالع يلهو بها
عنقود بابــل فاتـقى العنقودا
ترمي بأنفاس ترجّع تطّبي
نفس البليد ، وتقتل المعمــودا
فكأن مزماراً على لهواتها
وكــأن ناياً يستــثار وعودا
تحكي حنيناً والغريض ومعبداً
ومُخارقاً وزُنين والمســدودا
عزيزي القارئ :
مثلما كان السرّاج يتعصب للغة العرب ، كذلك كان يتعصب لملبسهم ، والعمامة ، - لا ريب – هي أميز مميزات أزيائهم ، وهو يعدها بمثابة التاج للملك .. فهي عنوان كرامة العربي ، وهي عنوان مجده الطارف والتليد . ولما كان الملك يدفع عن تاجه بالنفس والنفيس ، فكذلك على العربي أن يتمسك بعمامته ، فهي دليل حضارته ، وهي دليل فخاره .
أذكر أنه استدعاني يوماً – وأنا لما أزل طالباً بالمدرسة الأولية ، فمثلت بين يديه ، وكنت حاسر الرأس على غير العادة ، فاسترعى ذلك انتباهه ، فارتجل أبياتاً لينصحني ويبيّن لي فيها فضل العمامة – وقد حفظتها من لسانه مباشرة .. وهي :
لا تعتدن تمشي ولم
تكن العمامة فوق رأسك
حفظ الكرامة في العمامة
والكـرامة حفظ درسك
لا تهملن كليهما ، فكلا
هما إكــرام نفـسك
هذا ، ويعتقد الطيب السرّاج أن الرجل لا يكون عظيماً بما يضع على جسمه من ثياب فاخرة ، أو بما يكنز في خزائنه من مال وفير ، أو بما يرفل فيه من الجاه والرفاهية والدعة .. وإنما العظمة أن يتحلى الرجل بحلية العلم ، وأن يشذب نفسه من الجهالة ، وأن يتخذ من الكتب أصدقاءه الأوفياء ، وملاذه كلما كان إلى المعرفة في حاجة . هذا ما كان يؤمن به السراج ، وهذا ما سجله في هذه الأبيات :
ليس العظيم وليس العالم الثقف
بالثــوب والجاه والإثراء يعترف
كم حكمة عند ذي الأطمار بالغة
قد حال من دونها الأطمار والعجف
كالدر في ستر الأصداف يمنعه
من أن تستضئ به أبصارنا الصدف
حتى إذا انصدعت عنه أكنته
بدا كـواكب جــلي حسنها السدف
عزيزي القارئ :
في الحلقة التالية إن شاء الله – أواصل .
د. حديد السرّاج
الإذاعة – أم درمان
20/12/1977م
