المستشار محمد الباقر السراج شخصية سودانية مميزة، يُعرف بمساهماته البارزة في مجالي القانون والأدب. كمحامٍ، برز في تقديم الاستشارات القانونية والعمل في القضايا المختلفة، بينما ككاتب، اشتهر بكتابة القصص القصيرة التي تعكس عمق التجربة الإنسانية والثقافة السودانية. يُعتبر جمعُه بين هذين المجالين نموذجًا للتوازن بين العقلانية القانونية والإبداع الأدبي.
ولد محمد الباقر السرّاج في الخامس عشر من سبتمبر 1948 بمدينة أم درمان، بحي بيت المال، في أسرة عريقة تعود جذورها إِلى الدوحة النبوية الشريفة في مكة المكرمة. فوالده الشريف عبد الحميد بن حسن السرّاج التاجر الأديب، ووالدته الشريفة نعيمة بنت العلَّامة الشيخ محمد عبد المجيد السرّاج، وكان جده العلَّامة الشيخ حسن بن عبد المجيد السرّاج أحد كبار العلماء المحدثين في السودان.
تنقل محمد الباقر في مراحل تعليمه الأولى بين المدارس المصرية، ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث نال شهادة الليسانس في الحقوق بتقدير ممتاز. كما درس الهندسة المعمارية بمعهد السلام العالي بالقاهرة، وفنون التدريس بالمعهد العالي في "كامب شيزار" بالإسكندرية.
اختار محمد الباقر مسار المحاماة، وتعلم على يد الفقيه القانوني الأستاذ
سعد ياجي والقامة القانونية محمود حسنين، ولقب بـ"بعشوم المحاكم" لدقته
ونباهته.
كان محمد الباقر شغوفًا بالعلم والدعوة إليه، مدركًا أن الجهل والكفر هما
أكبر العقبات أمام تقدم المجتمع. مارس التعليم على مستويات مختلفة، وأسس مدارس
شعبية بالتعاون مع عمه الأستاذ ميسرة السرّاج، رائد التعليم والمسرح السوداني.
تأثر الباقر بالزعيم العربي جمال عبد الناصر، وحبّ فيه حبا عظيما نظراً
لتمسكه بالعدالة الاجتماعية والقومية العربية. كان من الشباب القوميين الناصريين
في الجامعة، وشارك في النقاشات الحادة التي أبدع فيها كخطيب مؤثر، قبل أن ينخرط في
العمل الحزبي المنظم.
ارتقى تدريجياً ليصبح أحد مؤسسي وأمناء القوة الاشتراكية العربية في
السودان، مع مجموعة من النخب الوطنية مثل البروفيسور وحيد عنتر، والدكتور إبراهيم
عبدون، والمستشار عثمان جبريل، والدكتور محمد عبد الله مسلم،وغيرهم.
يُعدُّ الأستاذ محمد الباقر السرّاج من رواد الفكر القانوني في السودان، ومن الذين ساهموا في بناء الحركة الفكرية والسياسية والأدبية في بلاد التلاقح الثقافي والحضاري على ضفاف النيلين. كان رجلًا مخلصًا للعلم والوطن، وبقيت ذكراه حية بين أجيال المحامين والناشطين السياسيين.
امتد إنتاج الأستاذ محمد الباقر السراج الفكري إِلى القصة والمقالة،
والمبحث القانوني، والفكر الديني، فكان أحد الرواد الأوائل للقصة القصيرة الحديثة
في السودان، ومن أبرز أعماله القصصية:
أشواك (1961)
مزولة تتوقف (1962)
بين القنا والأشواك (1963)
قلب وعذراء (1966)
الأميرة (1977).
أما في الفكر الديني والقانوني، فقد كتب مؤلفات عميقة تعالج علاقة الشريعة
بالنظام العام والدولة، ومنها:
- المشروعية العليا في الإسلام (1962)
- السمو في الشريعة الإسلامية وأحكامها (1964)
- إصلاح الأمة الإسلامية (1977)
- مفهوم الحاكمية (1990)
- الدعوة إلى الإسلام (2002، باللغة الإنجليزية)
ولم يكن إنتاجه مقتصراً على التأليف، بل نشر مقالات قانونية وفكرية في أبرز
الصحف السودانية مثل: الرأي العام، السياسة،
صوت السودان، التلغراف، الأيام، صوت الجماهير.
كما كتب الشعر ونشر دواوين منها: نفحات، من
ثم، وعناقيد، تعكس رؤيته الجمالية للعالم، وتُظهر تماهيه بين القانون
كفكرة والشعر كحس.
رحل المستشار محمد الباقر السراج في 20 أبريل 2020
